بعيداً عن أسوار المدرسة.. آلاف الأطفال في الأردن يرتدون ملابس العمل مبكراً

{title}
صوت الحق -
سرى ريان وصدام المشاقبة - بين طرقات مدينة الهاشمية وأزقة حيّها الشرقي الفقير، تختلط أصوات المحركات برائحة الوقود المنبعثة من مصفاة البترول القريبة، لترسم مشهداً يومياً بطلُه "عمر". طفلٌ لم يتجاوز العاشرة، لكن ملامحه وأرواحه المتعبة تحكي قصة سنوات تفوق عمره بكثير. يداه الصغيرتان اللتان يفترض أن تمسكا بالقلم، باتتا غارقتين في "ملابس العمل" داخل ورشة لتصليح السيارات، بعيداً عن مقعده الدراسي في مدرسة الشهيد راشد الزيود.
وقال صالح الزيود، خال الطفل عمر، إنه حاول إقناع عائلة شقيقته بضرورة إعادة عمر إلى المدرسة وإبعاده عن أجواء الورشة، مشيرا إلى أن الطفل ما يزال في سن صغيرة لا تحتمل مسؤوليات العمل.
وتابع الزيود أنه نصحهم بأهمية انتظامه في الدراسة ومنحه فرصة حقيقية لتحسين مستواه التعليمي. في المقابل، ترى أسرة عمر أن أداءه الدراسي كان ضعيفًا، وأن تعلّم حرفة في ورشة تصليح السيارات منذ الصغر قد يكون خيارًا أكثر واقعية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها العائلة.
وأشار الزيود إلى أن انقطاع الطفل عن المدرسة وانخراطه في العمل في ورشة الميكانيك لا يقتصر على فقدانه فرصة التعليم فحسب، بل يعرضه أيضًا لبيئة قاسية وغير آمنة قد تحمل أخطار جسدية ونفسية كبيرة، ما يجعل استمرار تواجده في مثل هذه الظروف أمرا يعرضه لمخاطر كبيرة على صحته وسلامته.
للاستماع للتقرير اضغط هنا

الذكور أكثر تسربا من الإناث
 
عمر خلف ليس الطفل الوحيد المتسرب من مدرسته، حيث كشفت بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية للعام الدراسي 2023/2024 ان عدد الطلبة المتسربين من المدارس بلغ نحو 11,720 طالباً وطالبة. وتظهر الأرقام ان نسبة التسرب لدى الذكور اعلى من الإناث، حيث سجل الذكور النسبة الأعلى بواقع 58.25% (6,826 طالباً)، مقابل 41.75% للإناث (4,894 طالبة). ولا تقتصر ظاهرة التسرب على الجنسية الأردنية، بل تمتد لتشمل ثماني جنسيات مختلفة مقيمة في المملكة، من بينها الجنسيات السورية، الفلسطينية، السودانية، المصرية، العراقية، بالإضافة إلى الباكستانية والبنغلاديشية.
هذه الأرقام دفعت وزارة التربية والتعليم إلى مواصلة تفعيل أدوار 204 مراكز تم إنشاءها خصيصا لدعم الطلبة المتسربين وتأهيلهم للعودة إلى المسار التعليمي. أكدت مديرة قسم تعليم النظام، الدكتورة ساجدة القيسي، في تصريح خاص، أن الوزارة تعمل بشكل حثيث على إعادة دمج وتأهيل الطلبة المتسربين وإعادتهم إلى المقاعد الدراسية، ضمن خطة شاملة تهدف إلى الحد من ظاهرة التسرب ومعالجة آثارها.
وأوضحت القيسي أن الوزارة تدرك تمامًا الآثار النفسية السلبية التي قد يتعرض لها الطلبة المتسربون، لا سيما أولئك الذين اضطروا إلى العمل خلال مرحلة الطفولة، مشيرة إلى أن برامج التأهيل لا تقتصر على الجانب التعليمي فحسب، بل تشمل أيضًا الدعم النفسي والاجتماعي لضمان اندماجهم من جديد في البيئة المدرسية.
وأضافت أن عدد الطلبة الذين تخرجوا من مراكز التأهيل التابعة للوزارة بلغ 2400 طالب وطالبة مع بداية عام 2026، مؤكدة استمرار الجهود لتوسيع نطاق هذه البرامج واستيعاب أعداد أكبر من المتسربين خلال المرحلة المقبلة.

محاربة أسوء أشكال عمالة الأطفال عبر العودة للتعليم
 
قال زياد عفانة، ممثل منظمة سكوب سكويست، إن إنشاء برنامج التعليم البديل جاء استجابةً لجملة من الأسباب، أبرزها استمرار عمل الأطفال، وسوء الأوضاع الاقتصادية في بعض المناطق، إضافةً إلى حالات التسرب المرتبطة بالثقافة المدرسية وظروف الطلبة الاجتماعية.
وأضاف عفانة أن البرنامج يستهدف الفئة العمرية من 12 إلى 18 عامًا للذكور، ومن 12 إلى 20 عامًا للإناث، من الشباب الذين تعرضوا للتسرب المدرسي، موضحًا أن تصميم البرنامج راعى احتياجاتهم الخاصة والاجتماعية والنفسية، وعالج الآثار السلبية التي خلّفتها تجربة الانقطاع عن التعليم، مشددا الى ان البرنامج يحارب أسوء أشكال عمالة الأطفال عبر التعليم ورفع مستوى الوعي.
ولفت إلى أن البرنامج أسهم في رفع وعي الطلبة بحقوقهم وبأفضل الممارسات المهنية والاجتماعية والأكاديمية، كما يمنحهم تصورًا أوضح حول مستقبلهم الاقتصادي والخيارات المتاحة أمامهم. ونوّه إلى أن المؤسسات الشريكة توفر جلسات إرشادية تعالج المفاهيم الخاطئة السابقة لدى الطلبة، وتعمل على "إعادة توجيه البوصلة” نحو المسار الصحيح.
وأكد عفانة أن الطالب بعد التخرج من البرنامج يتمكن من الالتحاق بالصف العاشر الرسمي أو استكمال مساره الأكاديمي، بما يتيح له المضي قدمًا في حياته عبر المسارين الأكاديمي أو المهني.
وفيما يتعلق بالتطوير، أوضح أن البرنامج شهد تعديلات مهمة، من بينها تعديل بعض التشريعات المرتبطة بسنّ الانقطاع والعودة إلى المدارس، حيث تم تمديد الفترة المسموح بها للعودة إلى التعليم النظامي بدلًا من اقتصارها على عامين فقط. كما أشار إلى توسيع نطاق المدارس الأكاديمية وتغيير توجهات الطلبة نحو التعليم الأكاديمي بشكل أكبر، وفتح المسار الأكاديمي لمن هم دون 18 عامًا للالتحاق بالصف العاشر الرسمي.
وأضاف أنه تم إدخال مواد دراسية كان الطلبة بحاجة ماسة إليها، مثل اللغة الإنجليزية والحاسوب، إلى جانب إتاحة مسار التعليم النظامي الأكاديمي والمهني للمتسربين.
وشدد عفانة على أن البرنامج توسّع بشكل ملحوظ، حيث بات متوفرًا في ٢٠٤ مركزا، منتشرة في 36 مديرية من أصل 40 مديرية تابعة لـ وزارة التربية والتعليم، ما يعكس حجم الحاجة إليه وقابليته لمزيد من التوسع.
وختم بالإشارة إلى أن من أبرز ما يميز البرنامج تنوع الجنسيات المشاركة فيه، حيث يضم ما يقارب ثماني جنسيات مختلفة، ما يعزز من قيم التعددية والتماسك المجتمعي داخل البيئة ح التعليمية.

لمشاهدة الفيديو
">اضغط هنا 

من التسرب عن المدرسة الى دراسة الطب العام

وسرد أحمد حمدان، أحد خريجي مراكز برنامج التعليم والتعلم للمتسربين، تفاصيل رحلته التعليمية غير التقليدية قائلاً إنه انقطع عن الدراسة لمدة أربع سنوات خلال مرحلة الطفولة، لكنه وجد في هذا البرنامج فرصة للعودة إلى مقاعد الدراسة. مكث حمدان في البرنامج لمدة عامين، تمكن خلالها من استعادة مهاراته التعليمية وإكمال دراسته الثانوية، ليلتحق بعدها بالجامعة ويتخصص في الطب العام، وهو الآن في سنته السادسة في إحدى الجامعات الرسمية الحكومية الأردنية. ويؤكد حمدان أن تجربته لم تكن لتنجح لولا الدعم الذي وفره له البرنامج.
وأردف حمدان إلى أن قوة البرنامج تكمن في تركيزه على الجوانب الشخصية والإرشاد الفردي، وليس مجرد التعليم الأكاديمي التقليدي. ويضيف أن القاعات الدراسية مجهزة بأحدث أدوات التعلم التفاعلية، حيث يلعب المعلمون دور المرشدين بدلاً من الاقتصار على نقل المعلومات، مما أتاح للطلاب تجربة تعليمية أكثر تفاعلاً وتحفيزاً، ساعدته على تطوير مهاراته وتحقيق أهدافه الأكاديمية.
وأشار حمدان إلى انه لاحظ أن العديد من الطلاب الذين التحقوا بمراكز برنامج التعليم والتعلم، وكانوا يعملون إلى جانب الدراسة، كانوا يأتون إلى المدرسة ومكاتب المراكز بملابس العمل، وغالباً لم يكونوا مقتنعين بجدوى حضورهم. لكنه يوضح أن التزامهم بالحضور المنتظم للحصص والإرشادات ساهم في تغيير نظرتهم، حيث اكتسبوة مهارات جديدة وأصبح لديهم وعي أكبر بأهمية التعليم.، منوها إلى أن كثيراً من هؤلاء الطلاب، بعد تخرجهم من المراكز، تمكنوا من فتح مسارات مهنية أو أكاديمية أفضل، مما يعكس تأثير البرنامج الكبير على مستقبلهم.

قانون صارم لم يوقف عمالة الأطفال
 
قال الحقوقية الأستاذة أسماء عميرة إن الأساس الأول لإلزامية التعليم في الاردن يبدأ من الدستور ذاته، حيث نصّت المادة (20) من الدستور الأردني صراحة على أن "التعليم الأساسي إلزامي للأردنيين وهو مجاني في مدارس الحكومة”، معتبرًا أن هذه المادة تُشكّل الإطار الدستوري الملزم الذي لا يجوز مخالفته أو الانتقاص منه.
وأكدت عميرة أن المشرع عزز هذا الالتزام لاحقًا من خلال المادة (15/أ) من قانون حقوق الطفل الأردني لسنة 2022 التي أعادت التأكيد على أن التعليم الأساسي إلزامي ومجاني، ما يعني قانونًا أن الأسرة والدولة تتحملان معًا مسؤولية ضمان التحاق الطفل بالمدرسة من سن السادسة وحتى إتمام المرحلة الأساسية، وأن أي حرمان متعمد للطفل من هذا الحق يُعد مخالفة صريحة للنصوص الدستورية والقانونية النافذة.
 
وتابعت عميرة
أكدت الحقوقية أسماء عميرة أن إجبار الأهل لطفلهم على العمل لا يُعد شأناً عائلياً خاصاً، بل جريمة يعاقب عليها القانون الأردني، مشددةً على أن استغلال الأطفال في العمل القسري يُصنّف ضمن جرائم الاتجار بالبشر.
وأوضحت عميرة أن قانون منع الاتجار بالبشر، ولا سيما المادة (3) منه، يعتبر استغلال من هم دون الثامنة عشرة في العمل القسري أو السخرة جريمة اتجار بالبشر، مبينةً أن العقوبات قد تصل إلى الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن سبع سنوات، إضافة إلى غرامات مالية مغلظة، إذا ثبت وجود تهديد أو إكراه بهدف تحقيق منفعة مادية. وأضافت أن القانون ينظر إلى الطفل في هذه الحالات بوصفه ضحية تستحق الحماية.
وفيما يتعلق بمسؤولية أصحاب العمل، بيّنت عميرة أن قانون العمل الأردني يحظر تشغيل من لم يُكمل السادسة عشرة من عمره، وفقاً للمادة (73)، مؤكدةً أن صاحب العمل المخالف يُعاقب بغرامة تتراوح بين 300 و500 دينار عن كل حالة، مع مضاعفة العقوبة في حال التكرار، ودون جواز تخفيضها عن حدها الأدنى.
 
كما أشارت إلى أن حرمان الطفل من التعليم يُعد مخالفة قانونية، لافتةً إلى أن قانون التربية والتعليم الأردني يفرض على ولي الأمر إلحاق طفله بالتعليم حتى سن السادسة عشرة. وذكرت أن ولي الأمر يُنذر رسمياً في حال الامتناع، وإذا استمرت المخالفة تُفرض عليه غرامة مالية قد تتراوح بين 100 و300 دينار، وقد يُحال الملف إلى الجهات المختصة بحماية الأسرة للنظر في شبهة الإهمال
ونوه إلى إن أسوأ أشكال عمالة الأطفال وفق الأمم المتحدة محددة في المادة (3) من اتفاقية أسوأ أشكال عمل الأطفال، مشيرة إلى أن هذه الفقرة تشمل العبودية أو الممارسات الشبيهة بها، استغلال الأطفال في الدعارة أو المواد الإباحية، وأي أعمال خطرة تضر بصحتهم، أو نموهم الجسدي، أو النفسي، أو أخلاقيًا، إضافة إلى الأعمال التي تعيق تعليمهم أو تمنعهم من المدرسة، مؤكدًا أن هذا التعريف يشكل إطارًا قانونيًا دوليًا حاسمًا يُلزِم الدول بتطبيق سياسات صارمة لحماية الأطفال ومنع استغلالهم في أي من هذه الأنشطة الخطرة
بينت عميرة أن القانون الأردني لا يترك مسؤولية حماية الطفل من الاستغلال لدى صاحب العمل فقط، بل تمنح المادة 21 من قانون حقوق الطفل الأردني لسنة 2022 الجهات المختصة الحق في اتخاذ إجراءات ضد من يعرض الطفل للاستغلال الاقتصادي، بما في ذلك إرغامه على العمل أو التسول، مؤكدة على أن هذا النص يشمل إلزام الأهل أو من يقوم برعاية الطفل بعدم إجباره على العمل أو السماح له بالتسرب من التعليم، وأن مواطنين رسميين ومفتشي العمل ملزمون بالإبلاغ عن هذه الحالات، رغم أن تطبيق العقوبات قد يشمل تحويل الأهل إلى الجهات المختصة أو اتخاذ إجراءات قانونية إدارية لضمان عودة الطفل للمدرسة بناءً على أحكام القانون.  
 
حقوق الطفل ليست من أولويات الإعلام الأردني
 
أكدت الدكتورة سرى شطناوي أستاذة الإعلام في جامعة الشرق الأوسط أن الإعلام الأردني لا يضع قضايا الفئات الهشة، مثل الأطفال والنساء وذوي الإعاقة والعمال المهاجرين، على رأس أولوياته، مشيرة إلى أن اهتمامه يتركز غالبًا على الأخبار اليومية والسياسية التي تجذب عددًا أكبر من الجمهور. وأضافت أن تجاهل هذه القضايا يترك الأطفال والفئات الضعيفة في مواجهة التحديات دون رعاية كافية من الإعلام.
وبيّنت شطناوي أن القضايا المتعلقة بعمالة الأطفال والانتهاكات الجسدية والاجتماعية التي يتعرضون لها لا تحظى بالمتابعة الإعلامية الكافية، مستدركة بأن هناك حاجة لتغطية أعمق للمشكلات المعاصرة التي تواجه الأطفال، مثل الإدمان الإلكتروني وغيرها من الظواهر السلبية، مع التركيز على تقديم المصلحة الفضلى للطفل قبل السبق الصحفي.
وأشارت شطناوي إلى أهمية تثقيف الصحفيين والإدارات الإعلامية حول مصطلحات وقضايا الأطفال، مثل الموافقة المستنيرة والمصلحة الفضلى، ومبادئ المهنية لتغطية قضايا الأطفال، مؤكدة ضرورة دمج هذه القضايا ضمن أولويات وسائل الإعلام، لضمان حماية حقوق الأطفال وتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية المهمة التي تحتاج للرعاية والمتابعة.

بين الردع القانوني والوعي الأسري

يبقى الطفل "عمر خلف" نموذجاً لآلاف الصغار الذين يحتاجون إلى صرامة حقيقية في تطبيق قوانين حماية الطفولة ومنع العمل المبكر، جنباً إلى جنب مع برامج رفع وعي مكثفة تستهدف الأسر. إن مواجهة هذا الواقع تتطلب انتقالاً من النصوص القانونية إلى التنفيذ الميداني الذي يضمن سحب الأطفال من بيئات العمل غير الآمنة وإلزامية عودتهم للمسار التعليمي.
وعلى الصعيد الداعم، تبرز ضرورة زيادة الإنفاق المالي على مراكز تأهيل المتسربين لتطوير أدواتها وقدرتها الاستيعابية لأمثال عمر. إن تعزيز الدعم المادي لهذه المراكز هو الضمانة الوحيدة لتقديم بديل تعليمي ومهني حقيقي، يحول دون ضياع مستقبل الأطفال ويستبدل ملابس العمل المرهقة بمقاعد دراسية تبني قدراتهم وتحمي طفولتهم.
تصميم و تطوير : VERTEX WEB SOLUTIONS