تعظيم قوة الخصم… السلاح الذي عاد ليصيب صانعيه: هل أخطأ الغرب حساباته مع إيران؟
صوت الحق -
د. نعيم الملكاوي / كاتب وباحث سياسي
في عالم السياسة الدولية لا تُصنع الحروب في ساحات القتال وحدها، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة في ميدان آخر أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً : ميدان صناعة صورة العدو. فالقوى الكبرى تدرك أن الشرعية الدولية للحروب لا تُولد فجأة، بل تُبنى تدريجياً عبر روايات سياسية وإعلامية تُقنع العالم بأن هناك خطراً متعاظماً يستوجب المواجهة.
ضمن هذا السياق يمكن قراءة ما يمكن تسميته بـ نظرية "تعظيم قوة الخصم”؛ وهي استراتيجية غير مكتوبة في أدبيات السياسة، لكنها حاضرة بوضوح في سلوك القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والغرب عموماً، وتقوم على تضخيم صورة الخصم إلى حد يجعله يبدو تهديداً كبيراً للاستقرار الإقليمي والدولي، الأمر الذي يفتح الباب لاحقاً أمام استخدام القوة ضده تحت عناوين متعددة: حماية الأمن الدولي، الدفاع عن الاستقرار، أو حتى حماية الشعوب من أنظمتها.
لقد شهد الشرق الأوسط نماذج متعددة لهذه المقاربة. ففي العراق جرى تصوير النظام العراقي لسنوات طويلة باعتباره خطراً استراتيجياً يمتلك قدرات تهدد الأمن العالمي، وصولاً إلى الرواية الشهيرة حول أسلحة الدمار الشامل، التي شكلت المبرر السياسي والأخلاقي لغزو العراق عام 2003 وإسقاط نظامه.
وفي ليبيا تكررت الصورة ذاتها؛ حيث جرى تقديم النظام الليبي بوصفه خطراً متصاعداً على شعبه والمنطقة، لتأتي لاحقاً الضربات العسكرية التي انتهت بسقوط الدولة ودخولها في حالة من الفوضى الممتدة.
كما ظهرت ملامح مشابهة في الساحة السورية، وفي سرديات الصراع الإقليمي التي تناولت قوى غير نظامية مثل حماس، وحزب الله، والحوثيين، حيث تم تصوير المنطقة ضمن إطار شبكة من التهديدات المتصاعدة التي تستدعي تدخلاً دولياً مستمراً.
جوهر هذه الاستراتيجية بسيط في ظاهره: كلما بدا الخصم أكثر قوة وخطورة في الرواية السياسية والإعلامية، أصبح استخدام القوة والقوة المفرطة ضده أكثر قابلية للتبرير أمام الرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية. وهنا تتحول الرواية الإعلامية إلى ما يشبه "الدرع السياسي” الذي يحتمي به صناع القرار عندما يقررون الانتقال من إدارة الصراع إلى الحسم العسكري.
لكن هذه النظرية، رغم نجاحها في بعض الحالات السابقة، تحمل في داخلها مفارقة استراتيجية عميقة: تعظيم الخصم قد يتحول أحياناً إلى سلاح يرتد على صانعيه.
فحين يجري تضخيم قوة دولة ما لسنوات طويلة، فإن ذلك لا يخلق فقط مبرراً لمواجهتها، بل يساهم أيضاً في ترسيخ صورة ردع حولها في الوعي الدولي والإقليمي. ومع مرور الوقت قد تتحول هذه الصورة المتضخمة إلى عامل حقيقي يعقد قرار المواجهة، لأن الصدام مع خصم جرى تصويره بهذه القوة قد يبدو أكثر كلفة وخطورة.
وهنا تحديداً تبرز الحالة الإيرانية.
فمنذ سنوات طويلة تعمل الرواية الغربية على تقديم إيران باعتبارها القوة الأكثر تهديداً في الشرق الأوسط؛ دولة تمتلك برنامجاً نووياً مثيراً للقلق، وشبكة نفوذ إقليمية واسعة، وتحالفات عسكرية غير مباشرة في أكثر من ساحة صراع.
لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة يكشف مفارقة لافتة: تعظيم صورة القوة الإيرانية لم يعد مجرد أداة للضغط عليها، بل بدأ يفرض على خصومها حسابات أكثر تعقيداً.
فإيران، بخلاف بعض الحالات السابقة في المنطقة، ليست دولة معزولة تماماً أو فاقدة لأدوات الردع، بل تمتلك منظومة عسكرية وصاروخية، وقدرة على إدارة الصراع عبر جبهات متعددة، إضافة إلى شبكة نفوذ إقليمي تمنحها هامش مناورة واسعاً.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً:
هل نجحت استراتيجية تعظيم الخصم في تهيئة الأرضية لمواجهة إيران، أم أنها ساهمت – من حيث لا تقصد – في تعزيز صورة ردع جعلت المواجهة المباشرة معها أكثر خطورة مما كان مخططاً له؟
ففي التجارب السابقة، كان تضخيم صورة الخصم ينتهي عادة بعمل عسكري حاسم يطيح بالنظام المستهدف. أما في الحالة الإيرانية، فيبدو أن المعادلة مختلفة؛ إذ إن الصورة التي جرى بناؤها حول قوة إيران قد تجعل أي مواجهة شاملة معها مغامرة إقليمية واسعة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط وهذا ما نراه على ارض الواقع .
ومن هنا يمكن القول إن نظرية تعظيم قوة الخصم، التي نجحت سابقاً في تبرير إسقاط بعض الأنظمة، قد تواجه اليوم اختباراً حقيقياً في الحالة الإيرانية. فالرواية التي صُممت لتسهيل المواجهة واستغلال بعض دول الإقليم قد تتحول إلى عامل ردع يفرض على صانعي القرار التفكير ملياً قبل الإقدام على خطوة قد تشعل صراعاً إقليمياً واسعاً فـ ايران ليست فنزويلا .
إن التاريخ السياسي يعلمنا أن السرديات التي تُصنع في غرف السياسة والإعلام لا تبقى دائمًاً تحت السيطرة. فالأفكار التي تُستخدم لتشكيل الرأي العام قد تتحول مع الزمن إلى حقائق سياسية تؤثر في مسار القرارات الكبرى.
وفي هذا السياق، يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنه يقف أمام مفترق استراتيجي جديد؛ حيث لم يعد السؤال فقط عن قوة إيران أو حدود نفوذها، بل عن مدى دقة الحسابات التي بُنيت عليها الرواية الغربية حول هذه القوة.
فهل كان تعظيم قوة الخصم مجرد أداة سياسية لإدارة الصراع؟
أم أنه تحول هذه المرة إلى سلاح ارتد على صانعيه، ليكشف أن بعض الروايات حين تكبر أكثر مما ينبغي قد تعيد رسم قواعد اللعبة نفسها؟





