نيقوسيا ليست مؤتمراً للمناخ… بل غرفة عمليات لإعادة رسم شرق المتوسط
صوت الحق -
د. نعيم الملكاوي
كاتب / محلل سياسي
من يظن أن مؤتمر نيقوسيا في العاصمة القبرصية كان مجرد لقاء بيئي يناقش التغير المناخي ،
يقرأ العنوان ويغفل المتن. ما جرى في قبرص لم يكن حديثاً عن المناخ بقدر ما كان اجتماعاً سياسياً واقتصادياً مغلقاً لإعادة توزيع النفوذ في شرق المتوسط، حيث الغاز أصبح لغة السياسة الجديدة، وحيث تتحول خرائط الطاقة إلى خرائط سيادة وتحالفات وصراع نفوذ.
بعد تحيِّد ولو جزئياً المشروع الإيراني هناك تطلعات لتحيِّد المشروع التركي ونهج سياسة تقليم الأظافر لمشاريع المنطقة .
الولايات المتحدة، أوروبا، وإسرائيل لا تنظر إلى غاز شرق المتوسط باعتباره مشروعاً اقتصادياً فقط، بل باعتباره مشروعاً استراتيجياً لإعادة تشكيل المنطقة. أوروبا التي أرهقتها أزمات الطاقة تبحث عن بدائل مستقرة وآمنة خارج معادلات الابتزاز التقليدي، والولايات المتحدة تريد تقليص قدرة الخصوم على التحكم بخطوط الإمداد، بينما ترى إسرائيل في هذا المشروع فرصة تاريخية للتحول من كيان أمني إلى مركز طاقة إقليمي مفروض على الجميع ولاعب رئيسي في الإقليم .
قبرص هنا ليست جزيرة فقط، بل منصة متقدمة. ومصر ليست مجرد شريك، بل محطة تسييل وتصدير. واليونان ليست مراقباً ، بل جزء من محور يتشكل بهدوء. أما إسرائيل، فهي القلب الذي يريد الجميع أن يجعل نبض الطاقة يمر عبره.
لكن السؤال الأهم: أين تركيا؟
الجواب ببساطة: تم استبعادها سياسياً ، لا جغرافياً .
أنقرة، التي ترى نفسها صاحبة حق تاريخي واستراتيجي في شرق المتوسط وصاحبة مشروع إقليمي أدار ظهره إلى أوروبا التي لم تكن تحفل به سابقاً ووجه بوصلته إلى الشرق العربي ، وجدت نفسها خارج غرفة القرار.
المؤتمر حمل رسالة واضحة مفادها أن ترتيبات الغاز الجديدة يمكن أن تُبنى دون المرور عبر البوابة التركية، بل وربما في مواجهتها. وهذا ليس تفصيلاً صغيراً ، بل ضربة مباشرة لمشروع النفوذ التركي الذي حاول خلال السنوات الماضية فرض نفسه من ليبيا إلى شمال قبرص إلى السواحل السورية.
قبرص التركية ليست بعيدة عن هذا المشهد. كل تقدم اقتصادي واستراتيجي لقبرص اليونانية المدعومة أوروبياً يعني عملياً تقليص هامش المناورة أمام الشمال القبرصي المدعوم من أنقرة.
الغاز هنا يتحول إلى أداة ضغط سياسية، وإلى محاولة ناعمة لإعادة ترسيم موازين القوة داخل الجزيرة نفسها، بما يضعف الورقة التركية تدريجياً .
أما مشاركة بعض الدول العربية، فهي ليست بروتوكولاً دبلوماسياً ، بل إعلان اصطفاف جديد. مصر تحديداً تدرك أن تحويل نفسها إلى مركز إقليمي لتسييل الغاز يمنحها نفوذاً يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن. بعض العواصم العربية الأخرى ترى في هذا التكتل فرصة للتموضع داخل المعادلة الجديدة بدل البقاء خارجها، خصوصاً مع إدراك متزايد أن شرق المتوسط سيكون أحد أهم ميادين القوة في العقد القادم.
الأخطر من ذلك هو البعد السوري.
هناك محاولة واضحة لإعادة إدخال سوريا ضمن منظومة إقليمية جديدة تقلص من الاعتماد الكامل على تركيا، سواء عبر بوابات الطاقة أو عبر إعادة فتح مسارات سياسية واقتصادية بديلة. واشنطن وبعض العواصم الأوروبية تدرك أن النفوذ التركي في الشمال السوري لم يعد مجرد ملف حدودي، بل ورقة جيوسياسية كبرى. لذلك فإن إعادة سحب دمشق تدريجياً نحو فضاء عربي–متوسطي جديد تعني عملياً تقليم الأظافر التركية، ليس فقط في سوريا بل في كامل شرق المتوسط ، ومن الممكن تكليف سوريا ببعض المهام العسكرية المساندة لاحد الجبهات الساخنة .
المشهد إذاً أكبر من مؤتمر وأخطر من مجرد اتفاقيات غاز.
إنه مشروع لإعادة ترتيب الإقليم: تحجيم تركيا وربما إلهاءها بالمسألة الكردية و / او اعادة هيمنة الجنرالات من جديد ، تثبيت إسرائيل وتحويلها من كيان مغتصب إلى دولة ذات سطوة وحضور ، تمكين قبرص واليونان أطفال الرعاية الأوروبية ، وتوظيف العرب ضمن شبكة مصالح جديدة تقودها واشنطن وتحتاجها أوروبا.
الغاز لم يعد وقوداً فقط، بل أصبح أداة سيادة، ومن يملك أنابيب التصدير يملك مفاتيح القرار. وما جرى في نيقوسيا ليس مؤتمراً عابراً ، بل إعلاناً هادئاً عن حرب نفوذ طويلة، عنوانها الطاقة النظيفة ، وجوهرها السيطرة، ونتيجتها النهائية: كيف ستكون الخارطة ومن سيحكم شرق المتوسط في السنوات القادمة.






