الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي: الحلم المؤجل لآلاف المتقاعدين
في زوايا الوطن الممتدة من عمان حتى الكرك، تتقاطع حكاياتهم في تفاصيلها الدقيقة رغم تنوع الملامح واللهجات. انهم المتقاعدون، اولئك الذين قضوا أعمارهم في التعليم، والخدمة، والاعمار، وها هم الآن يجلسون في مقاعد خشبية قديمة في ممرات المستشفيات، ينتظرون دواء او تقريرا أو استثناء... أو بارقة كرامة.
قصة تبدأ من العيادة... ولا تنتهي
كان الحاج أبو محمد، المتقاعد منذ عشر سنوات، يقف مستندا الى عكازه في طابور مزدحم امام صيدلية مستشفى حكومي في العاصمة. في يده وصفة دواء لأمراض مزمنة، وفي قلبه صبر طويل. بعد ساعات من الانتظار، قيل له إن تقريره الطبي انتهت صلاحيته. عليه أن يعيد الإجراءات من جديد. يخرج ابو محمد متعبا، لا يحمل شيئا سوى الوصفة القديمة، وامل لا يكف عن التاكل.
مثل ابو محمد، عشرات الآلاف من المتقاعدين في الأردن يجدون أنفسهم في مواجهة بيروقراطية قاسية، ونظام اعفاءات طبية معقد، لا يراعي ظروفهم الصحية او النفسية، ولا يعكس حجم تضحياتهم في خدمة الدولة.
توضيح لازم: من تجاوزوا الستين عاما مشمولون اصلا بالتأمين الصحي الحكومي عبر وزارة الصحة؛ لكن تغطيتهم غالبا محدودة في نطاق الخدمات والادوية والاحالات، ما يبقي كثيرين منهم داخل دوامة الانتظار والإعفاءات. أما المعاناة الاشد فهي لمن هم دون الستين من متقاعدي الضمان، إذ لا يحصلون تلقائيا على مظلة تأمين، فيلاحقون الإعفاءات ويدفعون من جيوبهم.
الرقم يتكلم... لكنه لا يعالج
تشير أرقام مؤسسة الضمان الاجتماعي إلى أن عدد المتقاعدين بلغ في 2024 أكثر من 341 ألف متقاعد، ولا تتوافر لمعظمهم مظلة تأمين صحي فعالة عبر الضمان. ومن هم فوق الستين يعتمدون في الغالب على التامين الحكومي، غير ان نطاق تغطيته لا يعادل التأمين الصحي الاجتماعي المنشود.
متوسط المعاش التقاعدي لا يتجاوز 488 دينارا، بينما تصل كلفة علاج مرض مزمن الى 1,200 دينار سنويا.
أكثر من نصف هؤلاء المتقاعدين يعتمدون على الاعفاءات الطبية المؤقتة، التي تزداد صعوبة في الحصول عليها، ويرفض او يؤخر ما نسبته 30% منها. ويضطر بعضهم لتقليل جرعات الأدوية، أو الاستدانة، او الاعتماد على الابناء لتأمين كلفة العلاج، مما يؤثر نفسيا واجتماعيا على الأسرة باكملها.
مشروع مؤجل... هل يعود؟
في عام 2021، أطلقت مؤسسة الضمان الاجتماعي، بقيادة د. حازم الرحاحلة، مشروع تأمين صحي شامل يستهدف المتقاعدين والعاملين غير المؤمن عليهم. تغطية 100% في مستشفيات القطاع الخاص، علاج السرطان في مركز الحسين، واشتراك بنسبة 3% من دخل المنتفع.
أنجزت الدراسات الاكتوارية، وتم الاتفاق مع الأطراف المعنية، لكن المشروع توقف في 2022. حاول فريق التحقيق التواصل مع د. الرحاحلة مرارا للحصول على تعليقه، إلا أنه لم يرد رغم محاولاتنا عبر مكتبه ووسائل تواصل متعددة.
عين خبير: هل يمكن للضمان ان يطبق التأمين؟
يقول الحقوقي والخبير في التامينات الاجتماعية موسى الصبيحي: نعم، يمكن تطبيق تأمين صحي اجتماعي مستدام من خلال الضمان، لكن بشروط اهمها ان تكون الحكومة شريكا استراتيجيا، ان توضع نسب اقتطاع عادلة، ان يدار صندوق التأمين باحتراف مستقل عن بقية التأمينات، وأن يتوفر احتياطي مالي للتقلبات المفاجئة.
ويضيف أن الشمولية والعدالة وجودة الرعاية شرط اساسي، وان هناك فرصة حقيقية لإطلاق المشروع خلال خمس سنوات، اذا توفرت الارادة والشراكة.
المجتمع يقول كلمته
استطلاع للرأي أجرته الجمعية الاردنية للضمان في اذار 2025 اظهر ان 85% من المواطنين يعتبرون التأمين الصحي للمتقاعدين حقا أساسيا، و78% منهم يؤيدون فرض ضريبة رمزية لتمويله.
مبادرات تنبض من الهامش
في اربد، أطلقت جمعية خيرية مبادرة صحتك امانة عام 2023، تؤمن تغطية صحية رمزية مقابل 15 دينارا شهريا. النتيجة؟ خفض الاعتماد على الاعفاءات بنسبة 60%، وتوفير ادوية وفحوصات دورية، وتحسين نوعية الحياة للمستفيدين.
اصوات خلف الارقام
ام محمد (58 عاما): دفعت سنوات طويلة اشتراكات، واليوم اضطر اتنازل عن دوائي لأوفر لاولادي.
ابو خالد (55 عاما): انتظر عملية قلب، لكن الورق أبطأ من القلب.
فاطمة (59 عاما): اشتريت الدواء بدين، حتى ما أحرج ابني العاطل.
ايضاح تحريري: هذه الشهادات تخص متقاعدين دون الستين، حيث لا تتوافر مظلة تأمين تلقائية، ما يضطرهم الى ملاحقة الاعفاءات وتحمل كلف جيبية مرهقة. وحين يتجاوزون الستين ويصبحون مشمولين بالتامين الحكومي، تبقى محدودية التغطية وقوائم الانتظار سببا في استمرار جزء من المعاناة.
دروس من الجوار... ونماذج قابلة للتكيف
في المغرب: تغطية 70% من المتقاعدين، بتمويل مشترك من الدولة وصناديق خاصة وضريبة تضامنية.
في تونس: تغطية 85% عبر صندوق وطني ممول من الاشتراكات.
في مصر: خطة تدريجية حتى 2030 لتغطية كبار السن، بتمويل من الضرائب ورسوم على بعض الخدمات.
هذه التجارب تظهر أن الشراكة والتمويل المتنوع هما مفتاح النجاح.
خارطة الطريق المقترحة
2026: شمول كبار السن والمرضى المزمنين – الكلفة التقديرية 50 مليون دينار
2027–2028: اشتراك اختياري مدعوم – الكلفة 30 مليون دينار
2030: تطبيق إلزامي تدريجي – الكلفة 90–130 مليون دينار
مع إشراف هيئة مستقلة وإصدار تقارير دورية للرقابة والشفافية.
في ردهة الوطن... لا يزال الانتظار قائما
ليس هذا التحقيق سوى تذكير بأن من بنى هذه البلاد يستحق ان يعيش شيخوخته بكرامة.
في وطن كتب في دستوره الشيخوخة في كنف الدولة، لا يجوز أن يبقى العلاج حلما، والدواء امتيازا، والصحة رفاهية.
لا نريد مديحا للماضي، بل رعاية للحاضر. لا نطلب صدقة، بل شراكة في الانسانية. ان التامين الصحي ليس ترفا سياسيا، بل امتحانا حقيقيا لمعادلة الكرامة.
وتبقى الفجوة الأوسع لدى من هم دون الستين لغياب مظلة تلقائية، فيما لا يزال التأمين الحكومي لمن تجاوزوا الستين محدودا في تلبية الاحتياجات المعقدة، ما يجعل الحماية الصحية حلما مؤجلا لشريحة واسعة من المتقاعدين.
مؤسسة الضمان الاجتماعي – إحصاءات 2024
وزارة الصحة الاردنية – تقارير التغطية الصحية
البنك الدولي – الحماية الاجتماعية في الأردن (2021–2024)
جامعة اليرموك – دراسة اكتوارية 2024
مقابلات ميدانية – عمان، الزرقاء، اربد
متابعة ملف التأمين الصحي (2021–2025)
مبادرة صحتك امانة – اربد
الجمعية الأردنية للضمان – استطلاع آذار 2025
تجارب المغرب، تونس، مصر – وزارات الصحة
تصريح خاص من الحقوقي موسى الصبيحي – خبير التأمينات الاجتماعية






