الكوفحي يكتب : دروس من غزة أخلاق الكبار (8)

{title}
صوت الحق -

بقلم الدكتور نبيل الكوفحي
..
الأصل في المسلم ان يكون صاحب أخلاق في كل احواله، لذلك كان من أعظم الصفات لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- ( وإنك لعلى خلق عظيم). ومما قرأنا في سيرته قصة جاره اليهودي الذي كان يلقي القمامة باب بيته -عليه افضل الصلاة والتسليم- ويحسن اليه حتى اسلم.


السلوك البشري يتغير من حال الرخاء لحال الشدة، لذلك كان مما ورد في الاثر حينما ذكر رجل اخر بخير انه سئل عن كنه معرفته به؛ هل سافرت معه، فقال لا، فقيل له اذهب فانك لا تعرفه.


الحروب من اشد حالات الضيق التي يعيشها الأفراد والجماعات، لذلك كانت وصايا للجيوش المسلمة؛ لا تقتلوا شيخا ولا امراة ولا طفلا، ولا تقطعوا شجرة … وراينا سلوك غير المسلمين قديما في الحروب الصليبية وفي حروب التتار وغيرها، ورأيناها في اخر قرنين في بلاد العرب وكيف ان الحزائر وحدها قدمت اكثر من مليون شهيد، وراينا العدوان الامريكي على العراق وقبله على افغانستان، وان ملايين الابرياء الذين قتلوا، وليس اخرها ما يحصل في فلسطين الان وفي غزة تحديدا.

امام كل هذا العدوان راينا تعاملا انسانيا راقيا من المجاهدين مع الاسرى والاسيرات وكلهم اعداء، وشاهدنا لحظات وداع حميمية عند اطلاق القسام لسراحهم ، ولاحقا استمعنا لعدة شهادات مصورة ممن كانوا اسرى في غزة عن كرم الاخلاق وحسن التعامل والرعاية لهم. مما اكسبهم احترام البعيد قبل القريب.

باتجاه مواز؛ لم نسمع من قادة المقاومة واية شخصيات معتبرة اية اساءات لاحد ممن خذلهم، لقد عفت السنتهم عن الاساءة لاحد بالرغم من عمق جراحهم، وفداحة خسائرهم. وخذلان الصديق والقريب. دلالة ذلك تكمن في امرين اثنين؛ الاول عمق التربية القرانية لديهم التي خلاصتها قوله تعالى ( وقولوا للناس حسنى)، والامر الاخر هو حسن السياسة والتدبير ، اذ يدركون ان المعركة طويلة، وهم بحاجة لمعونة البعض، كما بحاجة لتحييد البعض ايضا، وربما ينطبق عليهم قول الشاعر : ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدوا ما من صداقته بد.
هذه الاخلاق العالية؛ اخلاق الكبار التي تترتفع عن صغائر الامور، وتركز على العدو الاخطر والاكبر، ولا تحيد عن الهدف الكبير بانشغالها بمعارك جانبية ، بالتاكيد ان هكذا قيادات انما هي قيادات استثنائية حق لها ان تقودنا الى نصر ان شاء الله، وحق لها ان تسطر في صفحات التاريخ نماذج ستبقى تذكر بالخير الى يوم الدين.

ما احوجنا ان نتعلم منهم هذه الاخلاق وهذا التعالي على الجراح في تعاملنا مع من حولنا من اقارب واصدقاء وجيران. يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( إنَّ أحبَّكم إليَّ وأقربَكم منِّي في الآخرةِ محاسنُكم أخلاقًا وإنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم منِّي في الآخرةِ أساوِئُكم أخلاقًا الثَّرثارونَ المُتَفْيهِقونَ المُتشدِّقونَ).

والى مقال اخر ان شاء الله.