إعادة صياغة المشهد الإقليمي / أردوغان في القاهرة

{title}
صوت الحق -
بقلم الدكتور نعيم الملكاوي

في تطور لافت للنظر ، قطعت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر شوطاً طويلاً في مد جسور التقارب بين القاهرة وأنقرة ، بعد فترة من التباعد دامت سنوات طويلة . هذا اللقاء بين أردوغان ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي ، يمهد لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية ، لا سيما أن كلا البلدين يحظيان بأهمية جيوسياسية كبرى في المنطقة وسعياً لتعزيزها في خدمة الطموح والدور المناط لملء الفراغ في الاقليم .

اذا نظرنا الى الزيارة من زاوية العلاقات الدبلوماسية بين الدول والرغبة في تطويرها تظهر أهميتها في الابعاد التالية : 
 *الأبعاد الأمنية والسياسية* 

تجسد هذه الزيارة خطوة نحو تعزيز التعاون الأمني والسياسي بين البلدين وتمتين العلاقات التي تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات كبيرة ، ما يعزز من أهمية التقارب بين تركيا ومصر في دعم الاستقرار الإقليمي والمساهمة في حل النزاعات القائمة ، خصوصاً الأزمة في غزة وليبيا .  

 *الأبعاد الاقتصادية* 

من الناحية الاقتصادية ، تسعى الزيارة إلى تعزيز الروابط الاقتصادية وزيادة حجم التجارة بين البلدين ، مع توقعات بأن تصل إلى 15 مليار دولار . هذا التطور يشير إلى رغبة مشتركة في تعميق العلاقات الثنائية واستغلال الفرص الاقتصادية المتاحة بما يحقق المنفعة المتبادلة .

نرى من نتائج هذه الزيارة لترسيخ مبدأ حسن النوايا فقد تم إنشاء مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى بين البلدين يتولى إدارة شؤون العلاقات المستقبلية بينهما . 


 *تأثير الزيارة على وضع غزة والحرب الدائرة فيها* 
التقارب بين مصر وتركيا قد يحمل في طياته آثاراً إيجابية على الوضع في غزة ، حيث يعكس اهتمام البلدين بالدور الفاعل في إحلال السلام وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية للغزيين ، ودفع جهود التفاوض نحو حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية وشكل الدور الذي قد تلعبه كل دولة منهما بشكل منفرد اوكلاهما بشكل مشترك لما له اهمية في تعزيز التواجد والتأثير على الساحتين الاقليمية والدولية  .


تأثير التقارب على المعارضة المصرية في تركيا
مع تحسن العلاقات بين البلدين ، شهدنا تغيرات في المشهد الإعلامي المعارض الذي يبث ويتخذ من تركيا منطلقاً له  .

 الحكومة التركية ، في خطوة نحو تخفيف التوترات ، طلبت من قنوات مثل "مكملين" و"الشرق" توقيف برامجها السياسية ، مشيرة إلى تفاهمات بين البلدين لتحسين العلاقات دون المساس بحرية الإعلام أو تسليم المعارضين .

 استجابت تركيا لهذه التوجهات بطلب تعديل الخطاب الإعلامي للقنوات المعارضة لتجنب التحريض ضد النظام المصري ، مؤكدة على ضرورة الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي لتحسين العلاقات بين الدولتين . هذا النهج جزء من خطة شاملة لتطبيع العلاقات بين البلدين، تتضمن خطوات متعددة تهدف إلى التهدئة الإعلامية كمقدمة لتقارب أوسع وتطبيع كامل للعلاقات ، دون الحاجة إلى لقاءات مباشرة بين الرئيسين في الفترة الحالية .

وفي سياق التوازنات الجديدة ، تظهر ردود فعل متباينة من الأوساط السياسية والإعلامية المصرية المعارضة في تركيا . 

بعض البرامج والشخصيات الإعلامية توقفت عن الظهور على الشاشات ، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل هذه القنوات وإمكانية انتقالها للعمل من خارج تركيا . الإدارات تؤكد على التزامها بمواصلة الرسالة الإعلامية مع الحفاظ على استمرارية العمل رغم التحديات والالتزامات .

تعد قضية المعارضة المصرية في تركيا نقطة مهمة في هذا التقارب ، وتعتبر  التعديلات في خطاب القنوات المعارضة والتوجه نحو تهدئة التوترات الإعلامية صورة جلية على التزام البلدين بتحسين العلاقات ، مع الحفاظ على مبادئ حرية الإعلام والتعبير . هذه الخطوات تظهر التوازن بين الرغبة في التقارب السياسي واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية . 

وفي حركــة اســتباقية وتحســباً لكبــح الجمــاح ، ما أن حطت الطائرة الرئاســية التـركية رحالها في انقرة وعلى الفور تم ســحب الجنسية التركية من القائم بأعمال المرشـــــد العام للإخـــــوان في تركيا السيد محمود حسين .

في هذه المرحلة الجديدة من العلاقات المصرية التركية تعتبر هذه الزيارة لحظة فارقة تعكس التحول في الديناميكيات الإقليمية ، وتبشر بإمكانية تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة في ظل التحديات المشتركة التي تواجهها مصر وتركيا ، اسهاماً في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليميين ، مع إمكانية التأثير الإيجابي على الأوضاع في ليبيا وغزة وانهاء معاناة الشعب الفلسطيني والمنطقة بشكل عام اذا ما تم توظيفها واحسن توجيهها الى جانب الحق ونصرة الحقوق المسلوبة .

في النهاية ، تُعد هذه الزيارة لحظة تاريخية يمكن أن تُسهم في تشكيل مستقبل العلاقات الإقليمية بطريقة إيجابية ، مؤكدة على أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الأمثل لحل الخلافات وتعزيز السلام . 

مع إبقاء الحـس يقضاً والعين مبصرةً فلا عثماني استمر ولا مملوكي استقر ، لتركيا مشروعها ولمصر أجندتها .