أحلام اليقظة وجامعة اليرموك

صوت الحق -
بقلم: الدكتور خالد الهيلات
كنت قد فرغت للتو من كتابة مقال بعنوان "التحديث التعليمي في جامعة اليرموك"، وقبل أن أبعث به للنشر وصلني مقال عن أحلام بعض من العاملين في إحدى الجامعات الحكومية بولاية كيرلا الهندية، وأثناء قراءة الحلم تذكرت قصة (الراعي وجرة السمن) التي قرأناها في الابتدائية، وملخصها أن الراعي جمع كمية من السمن في جرة وعلقها في كوخه واسترخى تحتها يفكر فيما سيفعله بالسمن، فقرر بيعه وشراء نعجة، لتلد النعجة، وتتكاثر النعاج لتصبح قطيعًا، ويبني قصرًا، ويتزوج ويخلف صبيًا، فرفع الراعي عصاه ليؤدب ابنه، فتُصيب العصا جرة السمن فتكسرها، ويسقط السمن على رأسه وثيابه، لتضيع أحلامه سدى.
وبما أنه لم يتم تقديم تفسير للحلم، حاولت بنفسي أن أفسره، لكن ليس من خلال العرافات والعرافين والمشعوذين والمعوذات، بل من خلال اللجوء لأصحاب القرار والمعنيين بذلك في تلك الجامعة، وأنا على معرفة بهم، لعلي أجد جوابًا يؤكد لي ما يشير إلى اتخاذ قرارات خاطئة، لأكفر بمنهجية كل إدارة تفعل ذلك، "وأشمسها"، وأحلم بالنيابة عن غيري كما يحلم بعض الناس نيابة عن بعض هروبًا من المسؤولية القانونية، فلا أحد يلاحقنا على أحلامنا، أم أنه جاء ضمن ووفق التشريعات والقوانين؟
طرحت على أحدهما، ممن يملك الأجوبة، سؤالًا واحدًا: هل حدث مثل هذا في جامعتنا (اليرموك)؟؟؟ فقال: نعم، واستدرك….. لكن ما جاء في الحلم ما هو إلا "قلب للحقائق، فقد تم وفق سند تشريعي وقانوني"، سألته: كيف ذلك؟ فأجاب: " من واجبي تفسير الأحلام، لكن ولكونك صديقي، سأفسره لك علميًا وتشريعيًا، فهذا الحلم ينضوي على قلب للحقائق، وما حدث في اليرموك جاء بقرار مجلس عمداء، بعد أن تقدم به اتحاد الطلبة، أسوة بما هو معمول به في الجامعة الأردنية، وتمت مناقشته في لجنة قضايا الطلبة، ثم تم رفعه لمجلس العمداء، وبعد نقاش على مدار جلستين تم إقراره، فهو مستوفٍ للشروط القانونية، وضمن الصلاحيات المناطة بلجنة قضايا الطلبة ومجلس العمداء".
فهذا التفسير المنطقي العلمي القانوني للحلم، وإن كان من أحلام اليقظة، فما حصل في الجامعة الهندية حدث في الجامعتين الأردنية واليرموك، وأعود إلى مقالتي الأصلية…
التحديث التعليمي في جامعة اليرموك
شكلت فكرة مشروع التحديث التعليمي والنهوض بتصنيف جامعة اليرموك عالميًا هاجسًا لآخر رئيسين توليا هرم المسؤولية في الجامعة منذ عام 2020، لكن الإدارة الأولى لم يُكتب لها الاستمرار لأكثر من عام، أما الإدارة الحالية فمضى عليها أكثر من ثلاثة أعوام، وأعتقد أن الإدارتين حملتا الأفكار الرئيسة ذاتها، وهي استراتيجيات تطوير اليرموك للنهوض بها عالميًا، ووضعها على خارطة التصنيفات العالمية المعتمدة.
هذه الأمور تحتاج إلى فكر استراتيجي وخطط طويلة الأمد تظهر نتائجها وتؤتي أُكلها بعد نحو خمس سنوات على الأقل، لذا تحتاج لأكثر من فترة رئاسية واحدة، ولو استمرت الإدارة الأولى، ربما واجهت نفس الضغوط التي تواجهها الإدارة الحالية، وألقيت العصي في دواليبهما لتعطيلهما عن المسير.
وبمراجعة قصيرة لما حدث منذ عام 2022، نجد أن الخلل ليس في الفكر الاستراتيجي لقمة الهرم الرئاسي، بل يكمن في بعض الأدوات التي تم استخدامها لتنفيذ هذه الاستراتيجية وما ينبثق عنها من خطط، والتي قادت بعض قراراتها إلى فتح جبهات على مستوى الإدارة العليا، إضافة إلى وجود بعض المتربصين الذين يحاولون ركوب الأمواج لتحقيق مآربهم من خلال تضخيم الأخطاء التي لا تكاد تُذكر (فيعملون من الحبة قبة) ويلقون على الجامعة مسؤولية الأحلام.
ولا أريد في مقالي هذا تبرئة قمة الهرم، أو اتهامه، لكن للإنصاف أقول: فعلى عاتقه تقع المسؤولية الأدبية عن بعض إخفاقات بعض من أعضاء فريقه الإداري، لكنه اختار من اعتقد وتوسم فيهم القدرة على العمل بمعيته لتحقيق الهدف الاستراتيجي الأمثل للجامعة، إذ لا يعقل لأي رئيس أن يباشر كل صغيرة وكبيرة بنفسه. لكنه كما قلنا، يتحمل المسؤولية الأدبية عن بعض إخفاقات فريقه، وكان عليه الإطاحة بمن أخفق منذ أول ستة أشهر، ولو فعل ذلك لألقينا عليه باللائمة وقلنا: لماذا لم يصبر عليهم ولم يمنحهم الفرصة الكافية؟
وجميعنا ندرك أن بإمكان رأس الهرم أن يتغاضى عن الكثير من الأمور، ويلجأ إلى قاعدة "سكن تسلم”، ومن لا يجتهد ويعمل لن يخطئ، والأخطاء تظهر مع عظم المهام والأعمال، ورغم ذلك تحمل المسؤولية ودافع عن إنجازاته، وأصلح بعض الإخفاقات ومواقع الخلل، وقد رأينا ذلك في العديد من القرارات التي اتخذها لإصلاح ما يكتشف من أخطاء، ووضع حد لها، وإعادة وضع الأمور في نصابها.
ولا يعقل أن نحمل رأس الهرم مسؤولية كل شيء، فهو يباشر عمله من خلال فريقه، وقد تخفى عليه بعض الأمور أحيانًا، ولا يعقل أن نطلب منه، وقبل 6 أشهر من انتهاء ولايته المفترضة، الإطاحة بفريقه، ولو فعل ذلك لَلُمْناه وقلنا: كيف له أن يعمل بانسجام مع فريق جديد يحتاج إلى ستة أشهر لمعرفة قدراتهم؟ ومع ذلك، هو مطالب ومن باب المسؤولية الأدبية بمراقبة ووقف أي تجاوزات تحدث، وأعتقد أنه فعل ذلك، وقد رأينا ذلك في العديد من الملفات، وآخرها ملف الابتعاثات والتعيينات في مختلف كليات الجامعة، ومنها الإعلام التي أفتخر بانتسابي لها طالبًا ثم عضو هيئة تدريس.
فهل كان الأَولى به أن يحضر فريقه الإداري والفني للعمل معه من خارج الجامعة كما تفعل الحكومات؟ لو كنت مكانه لفعلت، بما أن زملاءنا من داخل الجامعة لا يعجبوننا ولا يسلمون من انتقاداتنا، وأخيرًا، أقول: "احترنا يا قرعة من وين نبوسك".