عندما يكتب الطبيب ذاكرة وطن "بين الطب والسياسة"
وفي مقدمة الكتاب، يوضح معاليه أنه حاول من خلال هذا العمل أن يعرض ملامح الحياة في الأردن منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، تستعرض الأحداث وتستحضر روح المرحلة وتحولاتها الاجتماعية والسياسية والإنسانية. وربما هنا تكمن قيمة الكتاب الحقيقية؛ فهو لا يروي سيرة فردية بقدر ما يقدم شهادة على زمن كامل، بكل ما حمله من تحديات وتحولات وأحلام.
منذ الصفحات الأولى، يشعر القارئ أن هذا الكتاب كُتب من القلب؛ بعفوية المثقف، وهدوء الطبيب، ووعي رجل الدولة الذي اختبر المسؤولية عن قرب. وأكثر ما يلفت في العمل هو تلك المساحة الواسعة من الصراحة والشفافية، في زمن باتت فيه الأقنعة تتبدل بسرعة، وتضيع فيه المواقف الثابتة وسط الضجيج. وكما ورد في مقدمة المؤلف «ففي بعضها شقاء لا يجوز إخفاؤه، وفي بعضها الآخر ازدهار من الظلم إنكاره».
تعلمت من الكتاب أن البيت الأول يصنع الإنسان، وأن القيم التي يتربى عليها الفرد تبقى البوصلة الحقيقية لمسيرته مهما تبدلت المواقع والمناصب. فقد بدا واضحاً أثر العائلة والجذور في تكوين شخصية الدكتور زيد حمزة، ابن عشيرة الصمادي في عجلون، الذي يكتب عن أهله بمحبة ووفاء، وعن والدته وعمته وإخوته وأخواته باعتزاز صادق، وكأنما يقول للقارئ إن الإنسان لا يكبر بعيداً عن ذاكرته الأولى.
وتعلمت أن المناصب، مهما ارتفعت، لا تمنح الإنسان قيمته بقدر ما تكشف حقيقته. فبين الطب والسياسة، وبين القرار والمسؤولية، تظهر شخصية الإنسان الحقيقية؛ إما أن تقترب أكثر من الناس، أو تبتعد عنهم. وما يميز تجربة الدكتور زيد حمزة أنه بقي منحازاً لفكرة الخدمة العامة بوصفها رسالة، لا مجرد موقع.
كما أعادني الكتاب إلى أهمية الذاكرة الوطنية؛ فالأوطان لا تُحفظ فقط عبر القرارات الرسمية، بل أيضاً عبر شهادات من عاشوا التحولات ورأوا المجتمع يتغير أمام أعينهم. لذلك شعرت أن «بين الطب والسياسة» يحفظ جانباً من الذاكرة الأردنية الاجتماعية والإنسانية للأجيال القادمة.
ولمن تابع مقالات معاليه في صحيفة «الرأي»، يدرك جيداً أننا أمام قلم يحمل فكراً عميقاً ورؤية وطنية صادقة. شخصياً، كنت ولا أزال من المتابعين لكتاباته بشغف، لما فيها من تنوع في الطرح، وهدوء في التحليل، وحرص حقيقي على المصلحة العامة. وهذا الحس نفسه نجده حاضراً بقوة في الكتاب؛ لغة سلسة وأسلوب ممتع، بعيد عن التكلف، لكنه غني بالتأملات والتجارب والدروس.
الكتاب لا يتوقف عند حدود الطب أو السياسة كمسارين مهنيين، بل يفتح نافذة على مرحلة مهمة من تاريخ الأردن، وعلى شخصيات محلية وعالمية التقاها الكاتب وتركت أثرها فيه، كما ترك أثره فيها من خلال منصبة كوزير للصحة في الاردن و رئيساً لمنظمة الصحة العالمية. وهنا تكمن قوة المذكرات الحقيقية؛ حين تتحول التجربة الفردية إلى شهادة على زمن كامل.
كما يعكس الكتاب مسؤؤلية كبيرة صادقة وبالذات حين حمل حقيبة وزارة الصحة بين عامي 1985 و1989، وعمل خلالها بعلم عميق ورؤية إصلاحية تركت بصمة واضحة في القطاع الصحي الأردني، لا سيما من خلال إنشاء «مراكز الطبابة» للرعاية الصحية الأولية، التي هدفت إلى إيصال الخدمات الطبية إلى الناس وتعزيز مفهوم الرعاية الصحية المجتمعية. وهي خطوات لا يزال أثرها حاضراً في الذاكرة الصحية الوطنية حتى اليوم. قال "لقد بنينا المئات من المراكز الصحية، وهكذا وظفنا الاموال القليلة لخدمة الناس أينما كانوا."
كما لا بد من الإشارة إلى الجهد التحريري الذي قام به الكاتب سامر خير أحمد، الذي أسهم في إخراج هذا العمل بصورة متماسكة وأنيقة، تحافظ على روح السيرة وسلاسة السرد في آن واحد.
"بين الطب والسياسة" هو كتاب مذكرات أعطى عمق في معنى المسؤولية، والهوية، والوفاء للمبادئ. كتاب يذكّرنا بأن التجارب العميقة لا تُقاس بعدد المناصب، بل بصدق الإنسان مع نفسه، وبما يتركه من أثر طيب في ذاكرة الناس والوطن.
* كاتبة مختصة في حوارات الاديان والسلم المجتمعي